لم يعد العمل عن بُعد في سلطنة عُمان مجرد إجراء استثنائي ارتبط بفترة الجائحة أو الظروف المناخية، بل أصبح اليوم جزءًا من التحول الأوسع في بيئات العمل الحديثة. فقد عرّف قانون العمل العُماني الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 53/2023 العمل عن بُعد بأنه نظام يؤدي فيه العامل مهامه باستخدام تقنية المعلومات والاتصالات من خارج مقر المنشأة داخل سلطنة عُمان، سواء بشكل جزئي أو كلي. كما نص القانون على أن العمل عن بُعد من الأعمال التي يصدر بتنظيمها قرار من الوزير.
وجاء القرار الوزاري رقم 523/2025 بشأن تنظيم العمل عن بُعد ليضع إطارًا أوضح لهذه الممارسة، حيث أكد أن العمل عن بُعد قد يكون كليًا أو جزئيًا، وأنه يتم من خارج مقر المنشأة داخل سلطنة عُمان، مع التزام المنشآت بتوفير وسائل التقنية والاتصالات أو الاتفاق بشأنها، ووضع آلية إلكترونية للإشراف والمتابعة وتقييم الأداء. كما شدد القرار على حماية خصوصية العامل ومنع استخدام أنظمة مراقبة تنتهك بياناته الشخصية.
وتكمن أهمية هذا التوجه في أنه لا يعالج فقط مكان أداء العمل، بل يعيد تعريف العلاقة بين الحضور والإنتاجية. فالعمل المرن، سواء من خلال تغيير أوقات الحضور والانصراف أو اعتماد يوم عمل عن بُعد أو نظام هجين، يتيح للمؤسسات إدارة مواردها البشرية بمرونة أكبر، ويرفع من جودة الحياة الوظيفية، ويقلل الازدحام المروري، ويعزز الاعتماد على الأنظمة الرقمية. وقد أشارت جريدة عُمان في تناولها لتجربة الدوام المرن إلى أن مواطنين أكدوا نجاح التجربة دون تأثير واضح على تقديم الخدمات، مع الإشارة إلى دور التقنية في إنجاز المعاملات من أي مكان.
كما أن التعميم الخاص بساعات العمل في شهر رمضان لعام 2025 شجع منشآت القطاع الخاص على تبني الأساليب الحديثة، بما في ذلك الدوام المرن والعمل عن بُعد متى أمكن، بما يسهم في تعزيز الإنتاجية وتحقيق التوازن بين متطلبات العمل وخصوصية الشهر الفضيل. وفي مارس 2026، تم الإعلان عن تطبيق العمل عن بُعد في القطاعين العام والخاص في عدد من المحافظات بسبب الظروف الجوية، ما يعكس جاهزية هذا النموذج كأداة لاستمرارية الأعمال والسلامة العامة.
وتدعم الأرقام أهمية التفكير الجاد في نماذج العمل الحديثة. فوفقًا لإحصاءات المركز الوطني للإحصاء والمعلومات المنشورة عبر جريدة عُمان، بلغ عدد العُمانيين العاملين في جميع القطاعات 888,950 موظفًا بنهاية ديسمبر 2025، وكان القطاع الخاص أكبر مشغل لهم بنحو 431 ألف موظف. كما بلغ عدد القوى العاملة الوافدة 1.816 مليون عامل، منهم 1.411 مليون في القطاع الخاص. هذه الأرقام تعكس حجم سوق العمل واتساع قاعدة المستفيدين المحتملين من سياسات أكثر مرونة، خصوصًا في الوظائف الإدارية، التقنية، المالية، التسويقية، وخدمات الدعم.
ومن جانب البنية الرقمية، تشير نشرة المركز الوطني للإحصاء والمعلومات لشهر مايو 2026 إلى وجود مئات الآلاف من اشتراكات النطاق العريض الثابت، وأكثر من 5.4 مليون اشتراك نشط للإنترنت المتنقل، وهي مؤشرات تدعم قابلية التوسع في نماذج العمل عن بُعد متى توفرت الضوابط المؤسسية المناسبة.
ولم يغب الموضوع عن منصات التواصل الاجتماعي والمؤتمرات المهنية؛ فقد ظهر في منشورات رسمية على منصة X وصف الدوام المرن والعمل عن بُعد بأنهما من الممارسات الإدارية الناجحة. كما ناقش مؤتمر الجمعية العُمانية لإدارة الموارد البشرية “أوشرم” 2025 موضوعات مرتبطة ببيئات العمل الحديثة، وتحليلات الموارد البشرية، وتنمية الفرق المرنة، وتجربة الأفراد
.
ومع ذلك، فإن نجاح العمل عن بُعد لا يتحقق بإصدار السياسة فقط، بل يحتاج إلى توصيف واضح للوظائف المناسبة، مؤشرات أداء قابلة للقياس، أمن معلومات، تدريب للمديرين، وثقافة ثقة قائمة على النتائج لا على مراقبة الحضور. فالخيار الأمثل لسلطنة عُمان ليس التحول الكامل إلى العمل عن بُعد، بل بناء نموذج متوازن يجمع بين العمل الحضوري، والعمل المرن، والعمل الهجين، بما يخدم الإنتاجية، ويراعي طبيعة كل قطاع، ويدعم مستهدفات التحول الرقمي وسوق العمل في رؤية عُمان 2040.
● تحدث إلى المتخصصين
